فخر الدين الرازي

97

تفسير الرازي

التزام الإضمار والتخصيص والقول الثاني يتمشى بمجرد التزام التخصيص فكان القول الثاني أولى هذا ما عندي فيه مع أن أكثر المحققين كالواحدي وصاحب " الكشاف " ذهبوا إلى الأول . المسألة الثالثة : الألف واللام في قوله : * ( فمن شهد منكم الشهر ) * للمعهود السابق وهو شهر رمضان ، ونظيره قوله تعالى : * ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء ) * ( النور : 13 ) أي فإذ لم يأتوا بالشهداء الأربعة . المسألة الرابعة : اعلم أن في الآية إشكالاً وهو أن قوله تعالى : * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * جملة مركبة من شرط وجزاء فالشرط هو شهود الشهر والجزاء هو الأمر بالصوم وما لم يوجد الشرط بتمامه لا يترتب عليه الجزاء والشهر اسم للزمان المخصوص من أوله إلى آخره ، فشهود الشهر إنما يحصل عند الجزاء الأخير من الشهر وظاهر هذه الآية يقتضي أن عند شهود الجزء الأخير من الشهر يجب عليه صوم كل الشهر وهذا محال ، لأنه يفضي إلى إيقاع الفعل في الزمان المنقضي وهو ممتنع فلهذا الدليل علمنا أنه لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ، وأنه لا بد من صرفها إلى التأويل ، وطريقه أن يحمل لفظ الشهر على جزء من أجزاء الشهر في جانب الشرط فيصير تقريره : من شهد جزأ من أجزاء الشهر فليصم كل الشهر ، فعلى هذا : من شهد هلال رمضان فقد شهد جزأ من أجزاء الشهر ، وقد تحقق الشرط فيترتب عليه الجزاء ، وهو الأمر بصوم كل الشهر ، وعلى هذا التأويل يستقيم معنى الآية وليس فيه إلا حمل لفظ الكل على الجزء وهو مجاز مشهور . واعلم أن المنقول عن علي أن المراد من هذه الآية ، فمن شهد منكم أول الشهر فليصم جميعه وقد عرفت بما ذكرنا من الدليل أنه لا يصح البتة إلا هذا القول ، ثم يتفرع على هذا الأصل فرعان أحدهما : أنه إذا شهد أول الشهر هل يلزمه صوم كل الشهر والثاني : أنه إذا شهد آخر الشهر هل يلزمه صوم كل الشهر . أما الأول : فهو أنه نقل عن علي رضي الله عنه أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر ، أن الواجب أن يصوم الكل ، لأنا بينا أن الآية تدل على أن من شهد أول الشهر وجب عليه صوم كل الشهر ، وأما سائر المجتهدين فيقولون : إن قوله تعالى : * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * وإن كان معناه : أن من شهد أول الشهر فليصمه كله إلا أنه عام يدخل فيه الحاضر والمسافر ، وقوله بعد ذلك : * ( فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ) * خاص والخاص مقدم على العام . فثبت أنه وإن سافر بعد شهوة الشهر فإنه يحل له الإفطار . وأما الثاني : وهو أن أبا حنيفة زعم أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر يلزمه قضاء ما مضى ،